الشراكة الصينية السعودية... استراتيجية يفرضها التاريخ والجغرافيا..

يستخلص المتابع والمراقب في مجمل القضايا العربية والدولية والملفات الإقليمية المتعددة والشائكة، مدى التبدلات في "المناخات السياسية"، واستعصاءاتها في أفق لا نهاية له، وحلحلتها في مدى متشابك الألوان والأحجام

يُخطئ من يعتمد بقراءة ألوان صورة التقارب الصيني السعودي انها نتاج تباعد أمريكي سعودي، أو انها ردة فعل صينية لمواجهة الغرب بفتح قنوات جديدة مع حلفائه في الشرق كما يدعي البعض

لأن الصورة الحقيقية، إن الصين أساساً تولي اهتماما كبيراً وواسعاً منذ القدم بالعلاقات التاريخية مع الأمتين العربية والاسلامية، والمملكة العربية السعودية تعتبر ركن مفصلي في هاتين الأمتين، والشاهد على تلك الحقبات "طريق الحرير"، الذي لم يأت من فراغٍ أو مصلحة من طرفٍ واحد، انما شقٌته إنجازات وتراكمات وثقافات وحضارات عريقة تحاكي الواقع، وتواكب التطورات

وبالعودة الى مستجدات نمو العلاقات الصينية الخليجية والتي وصلت الى حدود "الشراكة الاسترتيجية"، فإن دول الخليج تشهد في هذه المرحلة تطوراً سريعاً من الطبيعي جداً أن تخوض شعوبها تحديات كبيرة في تحديدها لخارطة المستقبل، ومنه الانفتاح المنطقي على الشرق، والخروج من "شرنقة الغرب" التي يحاول بعض هذا الغرب وتحديداً الأمريكي أن يأسر الجميع لتبقى كأحجار الدومينو تدور في فلكه حيث يريد،  لا كما هي تريد، وما أرادته السعودية ليس جديداً أو مستجداً، فكلما تعززت العلاقات مع بكين كلما أبدى الجانب الأمريكي انزعاجه فيحرك ضغوطه عبر تحريك الاتهامات تحت راية حقوق الانسان والديمقراطية ليصوب إعلامه سهامه تجاه العلاقات عبر اختلاق الأكاذيب

فالصيني لم يخبىء تقاربه من السعودية ودول الخليج، تعزيزاً لرؤية "السعودية 2030"، بالإضافة لمبادرتيالسعودية الخضراءو  ”الشرق الأوسط الأخضر، لتكون مدخلاً من مداخل التعاون بين الصين والمملكة العربية السعودية في مجالات الطاقة والاستثمار والتمويل، والمساعدة في تحقيق التنمية المتنوعة للإقتصاد السعودي، وصولاً الى انجاز عقد القمة الصينية العربية التي تتمحور حول مصير العلاقات وكيفية مقاربة القضايا المصيرية في المنطقة، ومن منطلق محدد وواضح، في الحفاظ على علاقاتها المتوازنة بدقة في جميع أنحاء المنطقة

في غضون ذلك سيتعين على دول الخليج أن تتعامل مع التنافس المستجد بين القوى العظمى و المتمثل بالولايات المتحدة والصين وأن تقاوم الانحياز إلى أي من الضفتين

فالاستراتيجية الشاملة بين الصين والمملكة العربية السعودية، لم تكن لتنسج لمرحلة مؤقتة وآنية إنما أبرمت لتكونان شراكة استراتيجية قائمة على أساس دولتان صديقتان معززتان بالثقة الى أبعد حدود

فأهمية هذه الشراكة أنها تفتح أبواب الطرق البحرية والبرية "الحزام والطريق" والذي يعتبر من أهم وأضخم المشاريع التنموية في العالم وخاصة لما يسمى شعوب العالم الثالث، كونه يؤسس لنهضة تجارية وصناعية ويربط دول اسيا بشرقيها الأدنى والأوسط بأوروبا وأفريقيا، جاء ذلك لأن الوعي الصيني، وصل مبكراً لحتمية استراتيجية بأن الحروب لا تأتي بالتطور والصعود الى القمة، بل أنها تأخذ الشعوب الى الانحدار والتخلف، وهذا ما تعيشه بعض الدول العربية من الحروب والتي أدت بها الى استنزاف مقدراتها البشرية والمؤسساتية

واليوم باتت الصورة والمشهدية في أفغانستان واضحة من حيث تسارع الأحداث بطريقة مكشوفة، سيما أن التاريخ اثبت انه لم تنجح أي محاولة للتدخل من قبل قوى خارجية، ولا يمكن تحقيق أية محاولة لفرض نموذج نظام خاص بجهة ما على الدول الأخرى. كما ثبت حتمية ووجوب سلوك خيار التشارك بهدف التنمية و نبذ خيار الحروب و الدمار .

من هنا فان الصين تبني علاقتها ورؤيتها بتعزيز التعاون في الشرق الأوسط، وتسعى لتمتين دعم البلدان العربية والإقليمية في جهودها الرامية إلى بناء آلية أمن إقليمية شاملة ومشتركة للتعاون الجماعي، من أجل تحقيق السلام والازدهار والتنمية على المدى الطويل دون المرور في اتون التوسع الاستعماري.

كما أصبح واضحاً وجلياً أن الصين تدين بحزم جميع أشكال الإرهاب، ولم يسجل انها دعمت او تدعم أية مجموعة ارهابية، ولأنها تعارض ازدواجية المعايير فهي تساند الدول العربية والإقليمية في مكافحة الإرهاب وتدفع بإتجاه دعم القدرات الأمنية والعسكرية في هذا الشق

يحاول  بعض المحللين أن يستعملوا التعاون الصيني الايراني للاستغلال الشعبوي، ويضعونه موضع اتهام للصين بدعم الإرهاب على قاعدة أن ايران تدعم منظمات حزب الله في لبنان وسوريا وفيلق القدس والحشد الشعبي في العراق والحوثي في اليمن، ويحاول الإعلام المناهض للصين والبعض الآخر المدعوم ايرانيا تسويق أن التعاون الصيني الإيراني ينسحب ايضاً على دعم تدخلاتها في دول الجوار وذلك بهدف دق إسفين في العلاقات الصينية العربية ولكن لا يغيب عن الأذهان أن الصين ورغم تمسكها بالحفاظ على حقوق الشعوب والدفاع عنهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية الا انها لا تفتح علاقات مع تنظيمات مسلحة وإنما تعتمد على العلاقات مع الدول والمؤسسات الشرعية وفق ما تنص عليه قواعد العلاقات الدولية محافظةً على مبدأ سيادة الدول واستقلالها وقرارها الحر، وبالتالي فإن علاقتها مع ايران مشروعةً وتنطلق من هذه المبادىء كعلاقة اي دولتين صديقتين يوجد بينهما مصالح مشتركة مميزة، كما انها تؤكد أيضاً على علاقاتها المميزة والاستراتيجية مع الدول العربية بل وتسعى بشكلٍ كبير لتعزيزها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر والامارات العربية المتحدة والعراق.

انطلاقاً من الثابتة الصينية التي تقول  أن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى تدابير شاملة لمعالجة الأعراض والأسباب الجذرية على حد سواء، وأن عمليات مكافحة الإرهاب ينبغي أن تمتثل لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمعايير الدولية، وأن تحترم سيادة جميع البلدان واستقلالها وسلامتها الإقليمية.

فالصين تؤكد استعدادها لتعزيز التبادلات والتعاون فى مجال مكافحة الارهاب مع الدول العربية لإقامة آلية تعاون أمنى طويلة الأجل، وتعزيز الحوار حول السياسات وتبادل المعلومات المخابراتية، والقيام بالتعاون الفني وتدريب الأفراد من أجل مواجهة التهديدات بشكل مشترك.

فالصين ترفض أن يكون تحقيق التنمية على حساب مصالح الدول الأخرى، ولن تلقي مشكلاتها على الآخرين. لأن ما يهمها تحقيق السلام والتنمية المشتركة، والتمسك بالنظام التجاري المتعدد الأطراف، سيما أنها اعتمدت المشاركة في حوكمة الاقتصاد العالمي. وهي بذلك تدفع لبناء نمط جديد للعلاقات بين الدول الكبيرة، من خلال السير قدماً مع تيار تقدم العصر ودفع التنمية السلمية في العالم، وبناء العلاقات الجديدة لتدعيم بناء جسر الصداقة والتعاون بين قارتي آسيا وأوروبا.

الكل يدرك ما تحاول ان تروجه الإدارة الامريكية عبر أبواقها الاستخبارية في منطقة الشرق الأوسط عن أن الصين لها اطماع اقتصادية واستثمارية على حساب شعوب المنطقة، وهذا لا ينسجم طبعا مع مشروع "الحزام والطريق" والذي يعني (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير البري والبحري)، وبالتالي هذا الحزام أهميته أن يخلق بيئة لللتبادل بكافة المجالات بين الشعوب 

وهذا ما يدل أن الصين متمسكة بالمفهوم الدبلوماسي المتمثل في العلاقة الحميمة، والصدق، والمنفعة، والتسامح تجاه الدول. ما يؤكد أن الصين تهتم بتعزيز التضامن والتعاون مع الدول النامية، من خلال تطوير روح طريق الحرير، وتعميق التعاون الصيني- العربي الى جانب الصداقة والشراكة مع القارة السمراء، والدفع لتشكيل شراكة أقوى بين الصين وأمريكا اللاتينية والكاريبي.

ويسجل للصين أنها رفضت عبر التاريخ مسألة إنشاء الأحلاف العسكرية والإنخراط فيها، وهي تُفضّل التركيز على بناء شبكة واسعة من الشراكات الإستراتيجية متخذةً من قاعدة "الشراكة وعدم الانحياز" اساساً لها معتمدة على قوتّها الإقتصادية المتنامية حيث وقّعّت الصين رسمياً عام 2019 شراكات إستراتيجية مع 110 دولة ومنظمة إقليمية و هذه المقاربة تساعد الصين على خلق بيئة تعاونية متعدّدة الأقطاب مواتية لها ومعادية لنزعة الهيمنة الأمريكية

وتثبيتاً لمبدئها الرافض لمفهوم الانخراط بالأحلاف و الانحياز قال الرئيس الصيني شي جين بينغ عندما تحدث في مقر جامعة الدول العربية عام 2016 قائلاً "إن الصين لا تقوم بتنصيب الوكلاء في الشرق الأوسط، ولا تنتزع ما يسمى بـ"مجال النفوذ" من أي احد ولا تنوي "ملء الفراغ "، لم يكن يومها كلاماً عبثياً أو أتياً من فراغ، إنما قاله للغمز من قناة أن لا يمثل الصين سوى الصين نفسها، كرد على ما تحاول امريكا تعميمه

لقد سعت الصين ومنذ تأسيسها لصياغة علاقاتها وشركاتها بتوازن فكانت أولى العلاقات المميزة والتي وصلت الى مستوى الشراكة الاستراتيجية في المنطقة مع الجزائر وكذلك مع مصر التي تتشارك معها بأضخم المشاريع ، وصولا الى الإمارات العربية المتحدة التي أضحت شريكا استراتيجيا في الشرق الأوسط، أما بخصوص المملكة العربية السعودية فقد خصها وزير خارجية الصين وانغ يي بأن تكون محطته الأولى في جولته الشرق أوسطية الأولى لعام 2020 لكي يطلق منها مبادرة الصين بشأن الأمن والاستقرار بالشرق الاوسط، مثبتا بذلك الدور المحوري والأساسي للسعودية على الصعدين العربي والإسلامي.

اضافة الى تلك العلاقات نسجت الصين علاقة تشاركية مميزة بإطار مشروع الحزام والطريق مع تركيا، وكذلك وقعت الاتفاقية الصينية العراقية والتي تعتبر من كبرى الاتفاقيات التي وقعتها الصين، والاتفاقية الصينية الايرانية التي تأتي في هذا السياق، مثيلها مثيل باقي دول المنطقة.

ان شراكات الصين مع دول المنطقة تأتي ضمن قواعد واسس اخلاقية وندية من دولة الى دولة بغض النظر عن الأنظمة التي تتبعها او الجهات السياسية التي تتولى زمام الحكم، لأن الصين تعتمد في علاقاتها مع الدول على مبادئها الوطنية والقومية والتي خطها الأحمر هو دعم استقلال الدول وسيادتها

ان العلاقة الصينية الخليجية ومع السعودية خاصةً دخلت مؤخراً مرحلة الازدهار والشراكات عبر مجموعة من القطاعات، من الطاقة إلى الرعاية الصحية. وقد أبدى قادة الجانبين اهتماماً حقيقياً في زيادة توسيع وتعزيز علاقاتهم. وأثبتت هذه العلاقات مدى حاجة العالم الى "الحزام والطريق"، والى التجارة غير المقيدة والممر الآمن للصادرات والواردات والتعاون في مجال التكنولوجيا الفائقة.

ومن هذا المنطلق يدرك قادة دول مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة) أن النظام العالمي يتغير، ووجهته هي الشرق كونه مركز الثقل الاقتصادي العالمي وصعود الصين يرشحها لأن تقود هذا التحول.

فالعلاقة كما كانت تاريخية هي متينة وقوية على المدى الطويل. وهم يعتقدون أن بلدانهم تتمتع بتآزر كبير وإمكانات نمو كبيرة ،هذا هو السبب في أن كلا الجانبين يدعو إلى مواءمة خطط التنمية وقد تجلى ذلك عندما وقعت خمس دول من مجلس التعاون الخليجي (الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وعُمان والكويت) لتصبح أعضاء مؤسسين للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB)، وهو بنك تنمية متعدد الأطراف ومقره في بكين يبلغ من العمر خمس سنوات ويركز على تمويل مشاريع البنية التحتية في الاقتصادات الناشئة. في عامي 2016 و 2018 على التوالي ، رفعت الصين علاقاتها الثنائية مع أكبر اقتصادين في دول مجلس التعاون الخليجي ، المملكة العربيةالسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى مرتبة الشراكات الاستراتيجية الشاملة.

ومن أجل حماية مصالح دول مجلس التعاون الخليجي نرى انه لا بد من تعزيز الثقة بالنفس والاستقلالية في إستراتيجيتها ،هذا ما يجعلها تضمن عدم تعرضها للسحق ، لأن المنطقة عانت كثيراً من العوامل الجيوسياسية المتقلبة على مدى الثلاثين عامًا الماضية وتأثرت اقتصاداتها سلبًا نتيجة لذلك. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي عليها أيضاً أن لا تكون طرفاً من أطراف الصراعات، أو أن تنحاز إلى أي طرف وأن تعمل على ضمان أن لا يتصاعد التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة إلى صراع عسكري. ويعتبر بناء قدرات دول الخليج وتعزيز القدرات الدبلوماسية من أجل التنسيق الرفيع المستوى للتنمية والاستثمار والسياسة التجارية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق هذا الهدف.

الشراكة الصينية السعودية... استراتيجية يفرضها التاريخ والجغرافيا..

الكاتب : وائل خليل ياسين

- رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية.

- استشاري متخصص بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا.