CRI Online

بقلم رضا سالم الصامت

cri       (GMT+08:00) 2014-12-15 15:20:33
روايـــــــــــة ..... الرجل الشبح

بقلم : رضا سالم الصامت

فجأة ارتعشت الأرض وارتدت من تحت أقدام الناس وتشققت الطرقات تهدمت البنايات في لحظات معدودة ومن كل المسارب سقطت الجسور واندفع الناس فزعا من الخوف على حياتهم يصيحون يستغيثون ....... إنها الكارثة ..إنها الكارثة... انه الزلزال .. ماعدا شخص واحد ظل يتأمل ما جرى في دهشة وكأنه غير مبال لما يجري فتسمع الناس يقولون له: ابتعد يا رجل، لا تبقى هنا

وبعد برهة من الزمن، بدأ يتحرك عندما هدأ الزلزال وهو يسمع صياح وعويل وأنين النساء والأطفال من تحت الأنقاض، لكن الزلزال قاس فقد عاود الرجة هذه المرة خفيفة نعم خفيفة بعدما دمر كل شيء، فتذكر الرجل آية قرآنية تقول: إذا زلزلت الأرض زلزالها * و أخرجت الأرض أثقالها * فقال الإنسان مالها.... صدق الله العظيم

الكل خرج ولكن المنافذ انسدت أمام الناس، والشوارع غصت وأصبحت ركاما من الحجارة والأتربة والفوضى دبت في كل مكان ! ملامح المدينة تغيرت فجأة

قال بصوت أجش - رخيم - حزين: آه أين ذهب بك الزلزال يا مدينتي، آه لم يبقى أمامي أي حل، سوى أن أشمر على ساعدي وأكون متيقظا للغاية وأساعد أبناء جلدتي

تقدم نحوه مسؤول عن المدينة المنكوبة وسأله : من تكون ؟

رد عليه قائلا : أنا الشبح

تعجب المسؤول و نظر إليه قائلا: هيا ابتعد من هذا المكان أيها الشبح، قد تعرض نفسك للأذى

الشبح، لم يهتم بالمسؤول، بل واصل طريقه وتقدم نحو الأنقاض وبيده منديل أبيض

********

وبعد برهة من الزمن، شبع الرجل الشبح تأملا في ما أدت إليه الأوضاع بعد الكارثة، وقرر أن يندفع بجسده غير مبال بالأخطار التي تحدق به من كل جانب وهو يرى بأم عينيه الفزع الكبير والفوضى والناس تهرول وتولول والرجل كعادته غير عابئ لما حصل ولا يريد أن يستسلم للقدر و للهزيمة ومرارة الضياع ويأبى أن يطيع من جاءه صارخا في وجهه: هيا ابتعد من هنا فقد تعرض حياتك للخطر

لكن الشبح، رفض الابتعاد وشمر على ذراعيه وتقدم ثابت الخطى حذرا، مسرعا لكل من طلب النجدة، يتحول بين الركام تحت وفوق الأنقاض وبين حطام وحطام وكل من يصيح ويستغيث، يتوقف ليفكر قليلا كيف سينقذه و بأي طريقة يمكن ضمان نجاته ولا يتركه لوحده يواجه مصيره ، فتراه يقترب منه و يهدئ من روعه ثم يبدأ عمله و يخرجه من تحت الأنقاض بسلاسة وبأخف الأضرار

رجال الإنقاذ قالوا له : هيا ابتعد أيها الرجل، اتركنا نقوم بعملنا فالمكان خطر عليك، انك تلعب بالنار وستلقى حتفك

********

التفت إليهم مبتسما، رغم المرارة و قال: دعكم من هذا الكلام فلا مفر من الموت، ثم إن الإنسان خلق من اجل مساعدة الآخرين هكذا أوصانا الله سبحانه وتعالى

الشبح مد يده بشجاعة ليجذب هذا الطفل وذاك من تحت الأنقاض ويجذب هذه الطفلة أو تلك المرأة والشيخ المسن يرفعه على ظهره ويوصله إلى مكان آمن ثم يعيد الكرة ... و هكذا كان حقا منقذا شجاعا بل بطل من الأبطال

رجال المطافئ وعناصر الجيش بمعدات الانقاذ و على رؤوسهم قبعات سوداء خدشتها الحجارة و امتلأ وجههم بالغبار وأيديهم تلطخت بالدماء أعجبوا بشجاعة الشبح ، والرجل لم يجد بدا غير التحدي رغم أن الأخشاب تهوي على جسمه النحيف يعانق الكلس ويقاوم بشدة وبيديه ورجليه ولا معول ولا فأس يحملهما .. كانوا معجبين بشجاعته وبنيته القوية رغم جسمه النحيف

كل الناس صفقوا له إعجابا، رغم ما أصابهم من هلع وجراح وكسور... وكان الرجل متأثرا جدا يذرف الدموع ويحييهم وهو يقول لهم : هذا واجبي

********

سيارات الإسعاف تهرع إلي المكان وصوت نفيرها يتردد لحث الناس على افساح المجال للوصول إلى الجرحى والمصابين لتنقلهم إلى اقرب مشفى، و كان الرجل يراقب العمليات بدقة متناهية، فحتى الممرضات والأطباء يتعاونون معه من اجل إنقاذ المزيد من الجرحى وإسعافهم على عين المكان

تتيبس يدا "الشبح "وهو يحاول إنقاذ المزيد و المزيد من بني جنسه وظل هذا الرجل صامتا، يبحث هنا وهناك عن المزيد من الناجين من الجرحى إلى أن بدأت تخور قواه... وطوال الليل لم يهدأ له بال رغم المعاناة، ورغم تواصل الارتدادات الزلزالية، كان بين الفينة والأخرى يمسح بيده العرق الذي يتصبب على جبينه وأحيانا يهتز حزنا وأسى عندما يخرج من بين الأنقاض جثة شخص ما، فتراه ينحني أمامها حزنا و يترحم على روحها الزكية ... و يغطي وجه المتوفى بمنديله الأبيض

********

اشتد به التعب وأراد الشبح أن ينام ولا ينام، و أراد أن يغمض جفنيه ولا يغمض، انه هذه المرة على غير عادته

وأخيرا تراءى له الفجر بعيدا، و خانت الشمس الشعاع، وخانت عقرب الثواني كل الساعات وانطفأ النور وانقطع الماء وتغيرت ملامح مدينة بأكملها، كانت بالأمس جميلة رائعة فأصبحت كئيبة حزينة كيف كانت وكيف أصبحت؟ وراح يبحث عن جواب ولم يجد غير الصبر فكل بيوت جيرانه تهدمت.... واستوت بالأرض، كل العصافير فرت فزعا وغادرت أوكارها، كل الأشجار حزينة، وحتى الفراشات طارت لبعيد

أين بيت جاري فلان؟ و أين مدرستي؟ وأين حدائق مدينتي؟، كل الطرقات تقطعت أوصالها .. إنها الكارثة

سمع أنين صوت امرأة تطلب النجدة من تحت الأنقاض، سمع صوت صبي يبكي فزعا سيموت من الجوع فقدم له طعامه وسمع صوت خافت لفتاة تئن من شدة الألم والعطش فسقاها ماءا و ضمد جراحها وفجأة صاح الرجل صيحة عاودت فيه الحنين، انه البطل المنقذ والمسعف، الذي قرر أن لا ينحني وأن يكافح ويتحدى الزلزال ولو كلفه ذلك حياته - انه الرجل الشبح

لم يكن بطلنا هذا وحيدا بل كانت أحلامه تساعد الناس وتقاوم معه - أطفاله، قصائده ، أهله وأصدقائه واسم الله كان آخر ما نطقت به شفتاه قبل أن يستشهد في سبيل إنقاذ الآخرين

فقط كان يأمل في أن يعانق العيد ،ويعانق الفجر الجديد وتخرج من شرنقته فراشة تنقل عطر الربيع ناشرة الأمل والطمأنينه في قلوب الأحياء الذين بقوا من الزلزال الكارثة.

كان ينتظر الرحمة تنزل على أرواح الذين لقوا حتفهم. وهم شهداء عند الله

أمله الوحيد أن يرى مدينته تعود إلى حياتها الطبيعية ، ولكنه كان يأمل الكثير، مع أن عقرب الثواني قد خانت عقرب الساعات ورحل عن الدنيا، لكنه لم يرحل عن أهل مدينته، و مع كل ذكرى عيد هو آت لا محالة ... عيد استشهاد ........ الرجل الشبح

أخبار متعلقة
تعليقات
تعلم اللغة الصينية
حول القسم العربي