"هنا بكين".. نداء لم أنقطع عنه منذ "نصف قرن"

2019-05-27 14:43:55
Share
Share this with Close
Messenger Messenger Pinterest LinkedIn WeChat

بقلم الأكاديمي مروان سوداح*:

الحديث عن القسم العربي لإذاعة الصين الدولية لجمهورية الصين الشعبية، يتميّز بنكهة خاصة، ولا يمكن أن يكتمل هذا الحديث بدون استذكار صوت الإذاعة المُفعم بالصّداقة والزّمالة في كل الأزمان، وفي نشاطها الموصول للحفاظ على تقليد تلاَحُق المعلومات الموضوعية والحقيقية وذات الإفادة، منذ نهاية ستينات القرن الماضي ومروراً بالسبعينات والى يومنا هذا، حيث بقيت أتابع بصورة شبه يومية البرامج التي يَحملها الأثير الى الاردن، بالرغم من زحمة الأعمال اليومية المُنهكة في المجال المدرسي فالحزبي، ثم تعرّضي للاعتقال والتعذيب والسجن، وإنضمامي للمَسَار الجامعي، ثم مسارب الانهماكات المهنية والمتابعات الصينية – الإتحادية، والعامة والعائلية، وبرغم فصلي التعسّفي من أعمالي المهنية في الصحافة ومحاصرتي وعائلتي “بلقمة عيشنا” اليومية، ثَبَتُ برغم التحديات الكبرى والخطيرة في البقاء في أجواء الصين والأعلام الصيني، والصين والاردن، وعالم العرب الواسع، ولمتابعة دوران الأحداث وتطورها وألوانها ومستجداتها في كل هذه الفضاءات، ولمعرفة الأحدث في النشاطات العربية للإذاعة، ذلك أنها صوت الصين في عالم العرب وبالعربية الفصحى الجميلة.

ـ “هنا بكين” هو صوت سفير الدولة الصينية الشعبية المتجوّل في مختلف أرجاء المَعمورة بلغات كثيرة، إذ أن صوت الصين بات يدخل الى كل بلد وبيت عربي وغير عربي، منذ عشرات السنين، بدون تأشيرة وبلا جواز سفر، ويُجالس العائلات العربية والأُممية بمودّة وسلام، ويَحمل على جناحيه القويتين حقائق كثيرة ومُثيرة لبلد آسيوي يرتبط مع كل العالم، وبضمنه العربي، بعُرىً وثيقة من التعاون والصِّلات الإنسانية والثقافية والمُصَاهرة، ناهيك عن التجارة والتعاون الاقتصادي والتقني، الزراعي والصناعي والعِلمي والتعليمي وغيرها من المجالات، لكن الأهم لنا في صوت الصين العربي، هو أننا جميعاً ننتمي الى حضارة آسيوية واحدة، ونستشعر في عقولنا وقلوبنا بأن مصيرنا مرتبط ببعضنا البعض، وبأن طريقنا واحد، وبأننا نُبحر في مركبٍ واحد الى جانب الأمين العام الرئيس المُحنّك والحَكيم شي جين بينغ، مؤيدين وداعمين لمبادرته العالمية “الحزام والطريق” في مختلف دروب دول العالم وبقلوب وأفئدة البشرية جمعاء.

“هنا بكين”- نداء لم ينقطع منذ نصف قرن ولم أنقطع أنا عنه أبداً، ذلك أنه هوية الصين المُحبّبة من خلال أثيرها الذي لم يتوقّف عن الإبحار في مياه العالم العربي والطيران في سماءاته وفي جزء منها وطني الاردن. فمنذ ما قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا (السابع من نيسان / أبريل عام 1977)، كانت إذاعة الصين الدولية تتحدث عن رسائلي إليها، وكانت هذه الرسائل – التي كان يُحرِّرُها لي المرحوم والدي “موسى”، الذي لم يتوقّف عن شحني – وأنا طفل – بعزيمة الاستماع والمراسلة مع الصين و روسيا.. أقول، كان كل ذلك مَسرّة ومدعاةَ فخار لي، فقد عَظُمَ فخاري حين كنت كل مرة أستمع فيها إلى إسمي في أثير الإذاعة، وحين كنت أقرأ في رسائلها الموجهة إلي كلمات مَحبتها لي وصَداقتها معي، إذ سَلكت الإذاعة كل المَسالك المُتاحة وقتها للتواصل النشط معي ومع المستمعين كافة، كذلك كانت ناشطة في تبادل الرسائل وتجيبُني على كل استفساراتي شفاهةً حيناً، وكتابةً في أحايين كثيرة، وكنت أتلذّذ حينها بِ “رسمِ” عنوان الإذاعة باللغة الصينية على “مظاريف” الرسائل التي إرسلها الى الإذاعة في بكين.

وهنا، لا بد لي، للتوثيق والتاريخ ولأنقل قصّة “أنا و الصين و الاردن” إلى أحفادي وأحفاد أحفادي، من الاستشهاد بتصريحات سعادة الصديق السيد “بان ويفانغ” سفير جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة الاردنية الهاشمية، والذي يؤكد ما وسعه الجهد على عُمق العلاقات بين بلدينا، وبأن علاقات الصداقة التي تجمع بين الصين والأردن تضرب جذورها إلى تاريخ عريق، فهي جزء مهم من علاقات الصداقة التي تجمع بين الصين والعالم العربي، ويُشير السفير في مقابلات وتصريحات متلاحقة وذات إفادة معلوماتية، تنقلها الصحافة الاردنية ووكالة الأنباء الاردنية الرسمية “بترا”، أنه ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والأردن، إنفتحت صفحة جديدة للصداقة والتعاون بين شعبي البلدين، وتتكثف التبادلات بين البلدين قيادةً وحكومةً وبرلماناً، ويتزايد دِفء العلاقات السياسية بين الدولتين، وقد تمت ترقية العلاقات الثنائية إلى علاقات “الشّراكة الإستراتيجية” بين البلدين، وفي الوقت الحالي فإن الصين تُعد ثاني أكبر شريك تجاري للأردن الصديق.

لقد ساهمت الدبلوماسية الشعبية في البلدين ومنذ ما قبل خطوة إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، ومروراً بالعام 1977، وفي أيامنا هذه، في تنمية علاقات الشعبين، ويُعتبر بقاء القسم العربي ناشطاً وعاملاً ومجتهداً في توجهاته مُمَارسةً سابقة وراهنة عالية الأهمية في تطوير الصِّلات الثنائية وعلى المستوى الفردي أيضاً الذي يتميّز بدور مهم في نقلات ومسيرة التاريخ. لذلك، كانت الإذاعة – وما تزال للآن تهتم بهذا الفِعل الراقي، تماماً كما هو حال هيئتنا العالمية التي تعظّم هذا التوجّه، وهي “الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين” ـ ، وتقدّر الإذاعة وقسمها العربي هذا الجهد عالياً، ولذلك غدا القسم العربي مع مرور الوقت في القرن الماضي، أكثر نشاطاً في الشرح لي وللمستمعين العرب عن كل ما يتعلق بالصين وحياة الصين الداخلية وعلاقاتها العربية والدولية، وكان ذلك متواصلاً قبل عشرات السنين من خلال رسائل “مستمرة” ومُوقّعة بإسم “القسم العربي”، ومطبوعة على الآلة الكاتبة العادية، وعلى ورق خفيف وشفاف جاذب وجميل، وقد توَاصلَ إرسال هذه الرسائل إلي بالبريد البرّي، بالرغم من الوقت الطويل الذي كان يَستغرق وصولها الى عنواني، لكن الإذاعة وقِسمها العربي كانا يتحلّيان بمثابرة عزَّ نظيرها في تفعيل سياسة الصين على مختلف الصُّعد، وبمختلف الوسائل المُتاحة في ذلك العصر البعيد، حين لم يكن لدينا أنذاك لا إنترنت ولا حواسيب، ولم تكن الموبايلات قد ظهرت، وحتى الاتصالات الهاتفية الأرضية كانت تتقطع خلال محاولاتنا توصيلها مع دول بعيدة جغرافياً أو تختلف عنّا في ألوان أنظمتها السياسية – الاقتصادية والأيديولوجية.

لم تكن هذه العوائق وغيرها لتوقفني عن استمرار مراسلتي للإذاعة الصينية سنوات طويلة، ولم تتمكن من تشكيل أية عوائق أمامي في مصادقتها، بل كانت مُتعة كبرى لي أنني أتمسّك بتوجّهات تختلف عن أقراني في نمط تفكيري وطبيعة علاقاتي الدولية، فتواصلتْ مرسلتي للإذاعة وتسلّمي رسالة “أرضية” بعد أخرى من بكين البعيدة، فلم يكن سوى قلّة في عالمنا العربي يراسلون الإذاعة، لأسباب مالية وأُخرى سياسية – دبلوماسية، برغم أن التجارة بين بلدينا كانت ناشطة وشهيرة جداً، وكان الاردن يستورد سِلعاً بعشرات العناوين من الصين، حتى أحْرزت هذه السلع سمعة ممتازة في كل الأوساط الاردنية، ونالت ثقة المستهلكين المحليين، لكونها تمتعت بجودة متميزة ورفيعة المستوى حقاً، وتخدم وقتاً طويلاً، وما يزال بعضها لدي في متحفي البيتي يُعيدني الى زمن إنقضى، لكنه كان وسيبقى جميلاً ومُحبّباً ويَفيض بصداقة مَبدئية وإنسانية مع الصين من خلال إذاعتها الرائعة والموقرة..

ـ المديرة الحالية للقسم العربي لإذاعة الصين الدولية، سعادة الاستاذة “سميرة – تساى جينغ لي” التي أعرفها جيداً، تتمتع ببصماتٍ واضحة في تطوير عمل القسم العربي والحِفاظ على إرثه النبيل، وإجتراحها الجديد من البرامج المهمة، وإيلائها أهمية أكبر وأشمل وأكثر من أي وقت مضى في تاريخ الاذاعة للأخبار العربية وتعيين المراسلين العرب لديها – ونرجو على هامش ذلك، إعادة نشر مجلة الأذاعة – “مرافىء الصداقة”، نظراً لمجالها التوثيقي ولأهميتها الإعلامية والمعلوماتية القصوى، ولدورها الواضح في تزايد أعداد أصدقاء الإذاعة والصين ونشر المعلومات عن الصين.

وها هو القسم العربي العتيد بقيادة مديرته “سميرة – تساى جينغ لي” يَرث كل جميل بَنَاهُ الجيل الأول للإذاعة الموقرة، وهو إرث غني المضامين ومُحبّب القَسمات، وماكانت الإذاعة تبثه وتقوم به من أعمال كان أقرب إلى المُعجزات الفلكية في سنوات أولى للألف ميل الإذاعي الصيني الأول، لكن الصين لا تعرف المُعجزات، ففي لغتها وفب شعبها تتلألأ مُفردات على شاكلة “عمل”، “اجتهاد” و”نجاح”، وهي هوية وحياة الكادر الصيني الذي هو عِماد الإذاعة منذ نشأتها وإلى يومنا هذا، فهنئياً لكم أيها الصينيون فرداً فرداً بإذاعتكم الأُممية العَلية، وسارعوا دوماً لاستنباط الجديد والأهم والأكثر إضاءة وديمومة، فأنتم صورة يومية مُنيرة لدولة صديقة تستولد “المعجزات” التي لا سابق لها في سِفرِ البشر.

*الأكاديمي مَروَان سُودَاح: رئيس الإتّحاد الدّولي للصّحافيين والإعلاميين والكتّاب العَرب أصدِقاء (وحُلفاء) الصين ومراقب القسم العربي لإذاعة الصين الدولية في الاردن


الأكثر قراءة

صور