جودة القيادة تصنع الهيبة والثقة الشعبية وتعزز مكانة الصين

جودة القيادة تصنع الهيبة والثقة الشعبية وتعزز مكانة الصين

بقلم وائل خليل ياسين

- رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية.

- استشاري متخصص بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا.

 

تواجه الصين أعتى هجمة غير أخلاقية وغير مسبوقة لإستطاعتها على تخطي العقبات أمام نموها الإقتصادي الجبار والضخم في وقت أن كل الأمبراطوريات والمنظومات العالمية والدولية تعاني من انهيارٍ اقتصادي منذ ٢٠٠٩ وانحدار في مستوى العيش والحياة.

فالصين اليوم المنتصرة على أشرس أعداء البشرية "الفقر و وباء كورونا"، ليست على خلاف مع الصين الأمس ،انما استكمال لمسيرة واحدة وتطوير للفكر الصيني التاريخي القديم والقائم على مفهوم “السلطة الإنسانية”، الذي يعتبر النموذج المثالي لأشكال القيادة الدولية نظراً لما يبعثه من مصداقيةٍ وثقةٍ لدى الشركاء وما يخلقه من تَآثِيرٍ عليهم من خلال تكريس تفاعلاتٍ مفيدةٍ بينهم بدلاً من التهديد والإكراه.

هكذا تفوقت القيادة الصينية بسياستها  الواقعية الأخلاقية وجعلها ذات مصداقية إستراتيجية، واتصافها بالجودة القيادية لم يأت من العبث، وبرز ذلك من خلال تعاطيها في الملفات الدولية فأعطتها هذه الصفة، كونها تتمتع بالوفاء بالوعود والإلتزمات تجاه الأصدقاء والشركاء والخصوم ما يؤدي في النهاية لبناء الثقة التي تعتبر السبيل إلى جعل الدول والشركاء على استعداد للتعاون و تحمل الاعباء والنتائج بالمضي قدماً معاً مع الدولة الرائدة بطريقة طوعية وهذا المفهوم متقارب الى حد كبير مع المفهوم الصيني للسلطة المعتمد على  الهيبة والثقة الشعبية والمختلف عن المفهوم الغربي للسلطة المرتكز على "التهديد الضمني بإستخدام القوة".

بالتالي فإن القيادة الداخلية الصينية تتمتع بالصفات الكافية لتصنع مكانة القوى العظمى، هكذا وكما ذكرت سابقاً ان جودة القيادة المحليّة تجعلها تتفوّق على الولايات المتحدة الأميركية فيأتي تركيز الصين على جودة القيادة ليؤكّد أهميّة الاختيار البشري وقدرة القيادة على تشكيل فرص السلام أو الحرب، بالإضافة الى تمتعها بقيادة نشطة مُبادِرة وهذا النمط يهدف إلى تحسين وضع الدولة من خلال الوسائل السياسية وعبر إجراء إصلاحاتٍ محليّةٍ تزيد من قوتّها، وقد تمثل ذلك في عدة قرارات قيادية شكلت مشروع حلم الإحياء العظيم للأمة الصينية الذي أعلن عنه الرئيس شي جي بينغ سنة 2012.

لذا فالقيادة النشطة تسعى إلى تعزيز مكانة الصين الدولية من خلال توسيع دائرة الشركاء المؤيدين لمفاهيمها التنموية، فهي تسعى لتوفير الدعم الازم ومقومات الحماية لهم وهذا ما تفعله الصين بمواقفها في المنظمات الدولية عبر دعم القرارت التي تحافظ على حقوق الشعوب وتحميها بالاضافة الى رفض القرارات التي تعزز هيمنة القوى العظمى على الدول والشعوب بالإضافة لرفضها المطلق لأي عقوبات او تصرفات أحادية الجانب وما يسمى بالولاية القضائية طويلة الذراع التي تتبناها الولايات المتحدة الأميركية. كما ان الصين من جهة أخرى قد أنشأت مؤسّسات إقليمية ودولية على غرار إنشاء بنك الإستثمار الآسيوي للبنية التحتية ومنظمة شنغهاي للتعاون لتكون آلية ذكية لا تستوجب الإمتثال المطلق للمعايير الدولية السائدة (التي أرساها الغرب طبعا)، وبهذا تُحافظ الصين على الصفة الأخلاقية للقيادة ولا تُظهرها بأنّها قوة صاعدةٌ تريد قلب النظام القائم في المقابل.

من هذا المنطلق تضع القيادة مصلحة الشعب في المقدمة وتتعاطى مع الشعوب الاخرى بإحترام معتمدة مبدأ "المنفعة المتبادلة"، على عكس ما تنتهجه القيادات الغربية والاميركية على وجه الخصوص حيث ‏تعتمد مبدأ "الهيمنة والتوسع" ولا تأخذ مصالح الشعوب بالحسبان.

ينطلق مفهوم الصين لبناء الدولة من وجوب التقيد بتطبيق الدستور وسيادة القانون على الجميع دون تمييز، فبناء الدولة والحكومة والمجتمع على أساس سيادة القانون تكون نتيجته الإنصاف والعدالة الاجتماعيتين، ما يشكل ضمانه لأن يعيش الشعب بطمأنينة ويعمل بإرتياح. وهنا  نقتبس في هذا الإطار قول الرئيس شي جين بينغ : "طرح إنجاز بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل مطالب أعلى لحوكمة الدولة وفقا للقانون. ينبغي لنا أن نطبق روح المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب على نحو شامل، ونتخذ نظرية دنغ شياو بينغ وفكر ’’التمثيلات الثلاثة‘‘ الهام ومفهوم التنمية العلمي، كمرشد، لندفع على نحو شامل أن يتقدم سويا التشريع العلمي وتنفيذ القانون بصرامة وتحقيق العدالة القضائية وإلتزام كل أبناء الشعب بالقانون، والتمسك بحوكمة الدولة وتنفيذ الحكم وتنفيذ الإدارة، وأن نتمسك بالبناء المتكامل لدولة يحكمها القانون وحكومة تحترم سيادة القانون ومجتمع يلتزم بسيادة القانون، لنفتح بلا انقطاع وضعاً جديداً لإدارة الدولة.

‏ان مفاهيم القيادة الصينية جاء نتيجة ادراك مبكر بأنه عندما يعتمد أي نظام سياسي على مبدأ "الهيمنة و التوسع" ولا يأخذ مصالح الشعوب بالحسبان، يكون الفشل وحقد الشعوب هو الحصاد النهائي. وعندما يضع مصلحة الشعب في المقدمة ويتعاطى مع الشعوب الأخرى باحترام معتمداً مبدأ "المنفعة المتبادلة"يكون النجاح حليفه والتفاف الشعب حوله حتمي .